عبد الرحمن بن ناصر السعدي
745
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان
لا يسمعون ) * له سماع قبول وإجابة ، وإن كانوا قد سمعوه سماعا ، تقوم عليهم به الحجة الشرعية . * ( وقالوا ) * أي : هؤلاء المعرضون عنه ، مبينين عدم انتفاعهم به ، بسد الأبواب الموصلة إليه : * ( قلوبنا في أكنة ) * أي : أغطية مغشاة * ( مما تدعونا إليه وفي آذننا وقر ) * أي : صمم فلا نسمع * ( ومن بيننا وبينك حجاب ) * فلا نراك . القصد من ذلك ، أنهم أظهروا الإعراض عنه ، ومن كل وجه ، وأظهروا بغضه ، والرضا بما هم عليه ، ولهذا قالوا : * ( فاعمل إننا عاملون ) * أي : كما رضيت بالعمل بدينك ، فإننا راضون كل الرضا بالعمل في ديننا . وهذا من أعظم الخذلان ، حيث رضوا بالضلال عن الهدى ، واستبدلوا الكفر بالإيمان ، وباعوا الآخرة بالدنيا . * ( قل ) * لهم ، يا أيها النبي : * ( إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي ) * أي : هذه صفتي ووظيفتي ، أني بشر مثلكم ، ليس بيدي من الأمر شيء ، ولا عندي ما تستعجلون به . وإنما فضلني الله عليكم ، وميزني ، وخصني ، بالوحي الذي أوحاه إلي وأمرني باتباعه ، ودعوتكم إليه . * ( فاستقيموا إليه ) * أي : اسلكوا الصراط الموصل إلى الله تعالى ، بتصديق الخبر الذي أخبر به ، واتباع الأمر ، واجتناب النهي ، هذه حقيقة الاستقامة ، ثم الدوام على ذلك . وفي قوله : * ( إليه ) * تنبيه على الإخلاص ، وأن العامل ينبغي له أن يجعل مقصوده وغايته ، التي يعمل لأجلها ، الوصول إلى الله ، وإلى دار كرامته ، فبذلك يكون عمله خالصا صالحا نافعا ، وبفواته ، يكون عمله باطلا . ولما كان العبد ، ولو حرص على الاستقامة ، لا بد أن يحصل منه خلل بتقصير بمأمور ، أو ارتكاب منهي ، أمرهم بدواء ذلك بالاستغفار المتضمن للتوبة فقال : * ( واستغفروه ) * ثم توعد من ترك الاستقامة فقال : * ( وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة ) * أي : الذين عبدوا من دونه ، من لا يملك نفعا ولا ضرا ، ولا موتا ، ولا حياة ، ولا نشورا . ودسوا أنفسهم ، فلم يزكوها بتوحيد ربهم والإخلاص له ، ولم يصلوا ولا زكوا ، فلا إخلاص منهم للخالق بالتوحيد والصلاة ، ولا نفع للخلق منهم بالزكاة وغيرها . * ( وهم بالآخرة هم كافرون ) * أي : لا يؤمنون بالبعث ، ولا بالجنة والنار . فلذلك لما زال الخوف من قلوبهم ، أقدموا على ما أقدموا عليه ، مما يضرهم في الآخرة . ولما ذكر الكافرين ، ذكر المؤمنين ، ووصفهم وجزاءهم ، فقال : * ( إن الذين آمنوا ) * بهذا الكتاب ، وما اشتمل عليه مما دعا إليه من الإيمان ، وصدقوا إيمانهم بالأعمال الصالحة الجامعة للإخلاص ، والمتابعة . * ( لهم أجر ) * أي : عظيم * ( غير ممنون ) * أي : غير مقطوع ولا نافد ، بل هو مستمر مدى الأوقات ، متزايد على الساعات ، مشتمل على جميع اللذات والمشتهيات . * ( قل أإنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين * وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيهآ أقواتها في أربعة أيام سواء للسآئلين * ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتآ أتينا طآئعين * فقضاهن سبع سماوات في يومين وأوحى في كل سماء أمرها وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظا ذلك تقدير العزيز العليم ) * ينكر تعالى ويعجب ، من كفر الكافرين به ، الذين جعلوا معه أندادا يشركونهم معه ، ويبذلون لهم ما يشاءون من عباداتهم ، ويسوونهم بالرب العظيم ، الملك الكريم ، الذي خلق الأرض الكثيفة العظيمة ، في يومين ، ثم دحاها في يومين ، بأن جعل فيها رواسي من فوقها ، ترسيها عن الزوال والتزلزل وعدم الاستقرار . فكمل خلقها ، ودحاها ، وأخرج أقواتها ، وتوابع ذلك * ( في أربعة أيام سواء للسائلين ) * عن ذلك ، فلا ينبئك مثل خبير . فهذا هو الخبر الصادق الذي لا زيادة فيه ولا نقص . * ( ثم ) * بعد أن خلق الأرض * ( استوى ) * أي : قصد * ( إلى ) * ( خلق ) * ( السماء وهي دخان ) * قد ثار على وجه الماء . * ( فقال لها ) * ولما كان هذا التخصيص يوهم الاختصاص ، عطف عليه بقوله : * ( وللأرض ائتيا طوعا أو كرها ) * أي : انقادا لأمري ، طائعتين أو مكرهتين ، فلا بد من نفوذه . * ( قالتا أتينا طائعين ) * أي : ليس لنا إرادة تخالف إرادتك . * ( فقضاهن سبع سماوات في يومين ) * فتم خلق السماوات والأرض في ستة أيام ، أولها يوم الأحد ، وآخرها يوم الجمعة ، مع أن قدرة الله ومشيئته ، صالحة لخلق الجميع في لحظة واحدة . ولكن مع أنه قدير ، فهو حكيم رفيق . فمن حكمته ورفقه ، أن جعل خلقها في هذه المدة المقدرة . واعلم أن ظاهر هذه الآية ، مع قوله تعالى في النازعات ، لما ذكر خلق السماوات قال : * ( والأرض بعد ذلك دحاها ) * يظهر منها التعارض ، مع أن كتاب الله ، لا تعارض فيه ولا اختلاف . والجواب عن ذلك ، ما قاله كثير من السلف ، أن خلق الأرض وصورتها ،